أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني

28

الأزمنة والأمكنة

فلا الظَّل من برد الضّحى نستطيعه * ولا الفيء من برد العشي نذوق فقد فصل بينهما قوله : * ( ولَوْ شاءَ لَجَعَلَه ساكِناً ) * [ سورة الفرقان ، الآية : 45 ] سئل عنه متى كان متحركا فقيل : معنى السكون ها هنا الدوام والثبات ، ألا ترى أنك تقول للماء الساكن الواقف ماء دائم وراكد ويمكن أن يقال : إنّ السّاكن ها هنا من السّكنى لا من السكون أي لو شاء لجعله ثابتا لا يزول كما أنّ سكنى الرجل الدّار يكون إذا قام وثبت . وقوله : * ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه دَلِيلًا ) * [ سورة الفرقان ، الآية : 45 ] يراد به أنّه لولا الشّمس لما عرف الظل ، فاللَّه تعالى يقبضه ويبسطه في اللَّيل والنّهار ، وعلى هذا يكون الدّليل بمعنى . الدّال . وقال بعضهم المعنى دللنا الشّمس على الظَّل حتى ذهبت به ونسخته أي أتبعناها إياه قال : ويدّلك على ذلك قوله : * ( ثُمَّ قَبَضْناه إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ) * [ سورة الفرقان ، الآية : 46 ] أي شيئا بعد شيء فعلى طريقته يكون دليلا فعيلا في معنى مفعول لا في معنى الدّال ، وروي عن الحسن أنه كان يقول : يا بن آدم أما ظلَّك فسجد للَّه ، وأما أنت فتكفر باللَّه . وقال بعضهم : وقد أحسن ما قال : الظلّ من آيات اللَّه العظام الدّالة بإلزامه الإنسان منه ما لا يستطيع انفكاكا عنه ، فدلّ بذلك على لزوم القمر له ولسائر الخلق قال اللَّه تعالى : * ( أَ ولَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُه عَنِ الْيَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّه وهُمْ داخِرُونَ ) * [ سورة النحل ، الآية : 48 ] فظلال الأشياء تمتد عند طلوع الشّمس من المشرق طولا ثم على حسب ارتفاع الشّمس في كبد السّماء تقصر حتى ترجع إلى القليل الذي لا تكاد تحس ، وحتى يصير عند انتصاف النّهار في بعض الزّمان بمنزلة النّعل للابسها ، ثم يزيد في المغرب شيئا شيئا حتى تطول طولا مفرطا ، قبيل غروب الشّمس وإلى غروبها . ثم يدوم اللَّيل كلَّه ، ثم يعود في النّهار إلى حاله الأولى ، فالشّمس دليل عليه لولا الشّمس ما عرف الظَّل ، فاللَّه بقدرته القاهرة يقبضه ويبسطه في اللَّيل والنّهار . وإنّما قال : * ( قَبْضاً يَسِيراً ) * لأنّ الظَّل بعد غروب الشّمس لا يذهب كلَّه دفعة واحدة ، ولا يقبل الظلام كلَّه جملة واحدة ، وإنّما يقبض اللَّه تعالى ذلك الظَّل قبضا خفيا وشيئا بعد شيء ، ويعقب كل جزء منه بقبضه بجزء من سواد اللَّيل حتى يذهب كلَّه ، فدلّ اللَّه على لطفه في معاقبته بين الظَّل والشّمس واللَّيل ، ومن كلامهم وردته والظَّل عقال وطباق وحذاء . وقال : ولو احقت أخفافها طبقا * والظَّلّ لم يفضل ولم يكر أي لم ينقص ، ويقولون : لم يزل الظَّل طاردا أو مطرودا ، ومحولا ، وناسخا ، ومنسوخا ، وسارقا ، ومسروقا ، وكلّ الذي ذكرت عند التّحصيل بيان وتفصيل لما أجمل فيما قدّمته ، وسيجئ من صفات الظَّل وأسمائه في بابه ما تزداد به أنسا بما ذكرناه .